تستعرض الكاتبة سارة الحارث في هذا التقرير واقع اللقاحات التكميلية في مصر، وتسلّط الضوء على الفجوة المتزايدة في فرص الحماية الصحية بين الأطفال تبعًا لقدرة أسرهم المالية. ورغم أن القانون المصري يكفل الرعاية الصحية المتساوية للأطفال، فإن نظامًا موازيًا من اللقاحات غير المدعومة يتيح مستوى إضافيًا من الوقاية لا يحصل عليه سوى القادرين على تحمّل تكلفته.
ويشير تقرير المنصة إلى أن جدول التطعيمات الإلزامي الذي توفره وزارة الصحة يغطي الأطفال منذ الولادة حتى عمر 18 شهرًا، بينما تضم اللقاحات التكميلية سبعة أنواع إضافية، من بينها لقاح الروتا المضاد لالتهابات الجهاز الهضمي، ولقاح المكورات الرئوية، ولقاح التهاب الكبد الوبائي "أ"، ولقاح فيروس الورم الحليمي البشري. وتوصي منظمة الصحة العالمية بهذه اللقاحات، كما أدرجتها دول عربية وأفريقية عديدة ضمن برامجها الوطنية للتطعيم.
تفاوت الحماية الصحية بين الأطفال
تكشف قصص الأسر عن تفاوت واضح في فرص الحصول على هذه اللقاحات. فبينما رفضت بعض الأمهات منح أطفالهن اللقاحات التكميلية بسبب ارتفاع أسعارها، حرصت أسر أخرى على توفيرها رغم الأعباء المالية الكبيرة. وتراوحت تكلفة الجرعة الواحدة بين 700 و3700 جنيه، فيما وصلت كلفة البرنامج الكامل إلى ما بين 18 و21 ألف جنيه بحسب نوع اللقاحات وعدد الجرعات المطلوبة.
وتؤكد بعض الأسر أن أبناءها استفادوا من هذه اللقاحات في تقليل مخاطر الإصابة بأمراض خطيرة مثل الالتهاب الرئوي والتهاب السحايا وتسمم الدم. ويُعد لقاح المكورات الرئوية من أبرز الأمثلة، إذ اعتمدته أكثر من 160 دولة حول العالم ضمن برامجها الصحية بحلول نهاية عام 2024.
أزمة الوصول خارج القاهرة
لا تقتصر المشكلة على التكلفة المرتفعة، بل تمتد إلى محدودية التوزيع الجغرافي. فتركز مراكز توفير اللقاحات في القاهرة والجيزة والإسكندرية، بينما تعاني محافظات عديدة، خاصة في صعيد مصر، نقصًا واضحًا في نقاط الحصول عليها.
وأظهرت شهادات عدد من الأسر في محافظة سوهاج أن كثيرين لم يسمعوا أصلًا بوجود هذه اللقاحات إلا بعد انتقالهم إلى مناطق حضرية أكبر. ويرى أطباء الأطفال أن ضعف الوعي ونقص التغطية الجغرافية وغياب مراكز متخصصة في المحافظات البعيدة يحرم آلاف الأطفال من فرص الوقاية المبكرة.
كما يواجه الأطباء مشكلات متكررة في توافر بعض اللقاحات، نتيجة محدودية الكميات المطروحة في السوق، ما يؤدي أحيانًا إلى نقص المعروض وارتفاع الأسعار. لذلك دعا مختصون إلى توسيع شبكة مراكز توفير اللقاحات وإنشاء فروع جديدة في المحافظات التي تفتقر إلى هذه الخدمات.
جدل إدراج اللقاحات ضمن البرنامج الوطني
يثير اتساع الفجوة بين الأطفال القادرين وغير القادرين تساؤلات متزايدة حول أسباب استبعاد اللقاحات التكميلية من البرنامج الإلزامي المجاني. وتربط وزارة الصحة هذا القرار بأولويات الصحة العامة وبضرورة ضمان استدامة التمويل والإمدادات قبل إضافة أي لقاح جديد.
وأوضح المتحدث باسم الوزارة أن الجهات المختصة تقيّم إدراج اللقاحات وفق معايير علمية تشمل حجم العبء المرضي والجدوى الاقتصادية وتأثير الإضافة على استدامة النظام الصحي. وأكد أن الفارق بين اللقاحات الإلزامية والتكميلية لا يتعلق بالأهمية الطبية، بل بأولوية الإدراج ضمن برنامج وطني تتحمل الدولة تكلفته بالكامل.
وفي الوقت نفسه، تواصل جهات دولية، منها التحالف العالمي للقاحات والتحصين، مناقشة فرص دعم مصر في توسيع نطاق بعض اللقاحات ذات الأولوية، خاصة لقاح المكورات الرئوية ولقاح الروتا ولقاح فيروس الورم الحليمي البشري.
وتبقى الأسر المصرية أمام معادلة صعبة بين الدخل المحدود والحاجة إلى حماية أطفالها من أمراض يمكن الوقاية منها. وبينما يطالب خبراء الصحة بإدماج هذه اللقاحات تدريجيًا في البرنامج الوطني أو تغطيتها عبر التأمين الصحي، يستمر التفاوت في فرص المناعة بين الأطفال، ليعكس فجوة صحية تتجاوز الاعتبارات الطبية إلى أبعاد اجتماعية واقتصادية أوسع.
https://almanassa.com/en/stories/32274

